محمد الغزالي
358
فقه السيرة ( الغزالي )
[ ردّ ملك غسان ] : أما الولايات العربية التابعة للرومان ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أرسل إلى أمرائها يعرض عليهم الإسلام ، فكانت إجاباتهم أخشن وأقسى من ردّ القيصر نفسه ! . قرأ أمير دمشق خطاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم له : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . من محمّد رسول اللّه إلى الحارث بن أبي شمر ، سلام على من اتّبع الهدى وامن باللّه وصدّق ، وإنّي أدعوك أن تؤمن باللّه واحده لا شريك له ، يبقى ملكك » « 1 » . فلمّا قرأه رمى به الأرض ، وقال : من ينزع ملكي منّي ؟ وأخذ يعدّ العدّة لقتال المسلمين . والحارث ليس بالملك الأصيل حتى يشمخ بملكه على هذا النحو ، إنه مولّى من قبل الرومان الغالبين ؛ ليخدم أهواءهم ، ويمشي في ركابهم ، فهو كنفر من ملوك الشرق في عصرنا هذا ، صنعهم المستعمرون ليكونوا حبالا تنجرّ بها الأمم المستضعفة وراء غاصبيها . والهدية التي ردّها هي الأمل الوحيد لجعله حاكما شريفا لو أنّه قبلها وأشاعها . وبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أمير بصرى - من ولايات الروم - مثل ما بعث به إلى أمير دمشق ، وحمل الكتاب الحارث بن عمير الأزدي ، فاعترضه في الطريق شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ وسأله : أأنت من رسل محمّد ؟ قال : نعم ، فأمر به شرحبيل فقتل . وترامت هذه الأخبار إلى المسلمين في المدينة ، فجرحت كرامتهم ، وأبانت لهم أنّ علائقهم بالرومان لن تندفع في طريق العدل والاحترام إلا بعد جهود شاقة . [ ردّ المقوقس ملك القبط ] : وردّ ( المقوقس ) على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ردّا حسنا ، فلم يؤمن به ، ولم يتهجّم عليه ، ولمّا تسلّم كتابه من حاطب بن أبي بلتعة قال له : ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده ؟ فقال حاطب : ما منع عيسى - وقد أخذه قومه
--> ( 1 ) ذكره الواقدي بدون إسناد كما في ( البداية ) : 4 / 268 .